أبو نصر الفارابي

30

كتاب السياسة المدنية

وأما الأنفس فإنها ما دامت لم تستكمل ولم تفعل أفعالها كانت قوى وهيئات فقط معدة لأن تقبل رسوم الأشياء ، مثل البصر قبل أن يبصر ، وقبل أن تحصل فيه رسوم المبصرات ، والمتخيلة قبل أن تحصل فيها رسوم المتخيلات ، والناطقة قبل أن تحصل فيها رسوم المعقولات وتكون صورا ، فإذا حصلت فيها الرسوم بالفعل - أعني رسوم المتخيلات ، والناطقة قبل ان تحصل فيها رسوم المحسوسات في القوة الحاسة ، والمتخيلات في القوة المتخيلة ، ورسوم المعقولات في القوة الناطقة - باينت حينئذ الصور وإن كانت هذه الرسوم الحاصلة في الهيئات المتقدمة شبيهة بالصور في المواد ، وليست تسمى هذه صورا إلا على سبيل التشبيه . وأبعدها من الصور رسوم المعقولات الحاصلة في القوة الناطقة ، فإنها تكاد أن تكون مفارقة للمادة ويكون وجودها في القوة الناطقة بعيد الشبه جدا لوجود الصورة في المادة « 1 » . فأما إذا حصل العقل بالفعل شبيها بالعقل الفعال ، فحينئذ لا يكون العقل صورة ولا شبيها بالصورة . على أن قوما « 2 » يسمون الجواهر غير المتجسمة كلها صورا أيضا باشتراك الاسم ويجعلون الصور منها ما هي مفارقة للمادة غير محتاجة إليها ومتبرئة منها ، ومنها ما هي غير مفارقة

--> ( 1 ) رسوم المعقولات التي تحصل في العقل ليست صورا ولا يمكن القول بنظر الفارابي إنّ وجود الصور في العقل يشبه اتحاد الصورة بالمادة . ( 2 ) لم يذكر الفارابي اسم هؤلاء ، ولكن المعروف أن أرسطو هو رائدهم .